محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن قتادة أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ حتى بلغ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ قال : لما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظلمة ، فقالوا : ينبئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة ، والنار تأكل الشجر ، فأنزل الله ما تسمعون : إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ، غذيت بالنار ومنها خلقت . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال أبو جهل : لما نزلت إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ قال : تعرفونها في كلام العرب : أنا آتيكم بها ، فدعا جارية فقال : ائتيني بتمر وزبد ، فقال : دونكم تزقموا ، فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد ، فأنزل الله تفسيرها : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال : لأبي جهل وأصحابه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قل : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال : قول أبي جهل : إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه . وقوله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ يقول تعالى ذكره : كأن طلع هذه الشجرة ، يعني شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " إنها شجرة نابتة في أصل الجحيم " ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ قال : شبهه بذلك . فإن قال قائل : وما وجه تشبيهه طلع هذه الشجرة برءوس الشياطين في القبح ، ولا علم عندنا بمبلغ قبع رؤوس الشياطين ، وإنما يمثل الشيء بالشيء تعريفا من الممثل الممثل له قرب اشتباه الممثل أحدهما بصاحبه مع معرفة الممثل له الشيئين كليهما ، أو أحدهما ، ومعلوم أن الذين خوطبوا بهذه الآية من المشركين ، لم يكونوا عارفين شجرة الزقوم ، ولا برءوس الشياطين ، ولا كانوا رأوهما ، ولا واحدا منهما ؟ . قيل له : أما شجرة الزقوم فقد وصفها الله تعالى ذكره لهم وبينها حتى عرفوها ما هي وما صفتها ، فقال لهم : شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ فلم يتركهم في عماء منها . وأما في تمثيله طلعها برءوس الشياطين ، فأقول لكل منها وجه مفهوم : أحدها أن يكون مثل ذلك برءوس الشياطين على نحو ما قد جرى به استعمال المخاطبين بالآية بينهم وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء ، قال : كأنه شيطان ، فذلك أحد الأقوال . والثاني أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطانا ، وهي حية لها عرف فيما ذكر قبيح الوجه والمنظر ، وإياه عنى الراجز بقوله : عنجرد تحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف ويروى عجيز . والثالث : أن يكون مثل نبت معروف برءوس الشياطين ذكر أنه قبيح الرأس فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ يقول تعالى ذكره : فإن هؤلاء المشركين الذين جعل الله هذه الشجرة لهم فتنة ، لآكلون من هذه الشجرة التي هي شجرة الزقوم ، فمالئون من زقومها بطونهم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ . . . آباءَهُمْ . . . يُهْرَعُونَ يقول تعالى ذكره : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ثم إن لهؤلاء المشركين على ما يأكلون من هذه الشجرة شجرة الزقوم شوبا ، وهو الخلط من قول العرب : شاب فلان طعامه فهو يشوبه شوبا وشيابا مِنْ حَمِيمٍ والحميم : الماء المحموم ، وهو الذي أسخن فانتهى حره ، وأصله مفعول صرف إلى فعيل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها